يبدو أن حالي وحال كثير من أمثالي المحبين لهذا الوطن العزيز الغيورين عليه ملخص في المثل الشعبي: (يا فرحة ما تمت). السبب هو الخبران الرئيسان المتجاوران في صدر الصفحة الأولى من الاقتصادية الصادرة الأربعاء الماضي فعلى اليمين فرحة تقول: (الإصلاحات الاقتصادية تقفز بالمملكة إلى المرتبة الـ 16 عالميًا في سهولة ممارسة أنشطة الأعمال)، وعلى اليسار بنط عريض يجتز الفرحة قائلاً: (توقعات باستمرار أزمة ميناء جدة حتى نهاية العام وانتقالها إلى الدمام).
للمرة الألف يشعر المواطن بأن روح الفريق غائبة عن معظم أجهزة الدولة، فالكل يغني على ليلاه.. ليلى تتقدم وأخرى تتأخر! كيف يستقيم تحسن بيئة الأعمال والممارسات التجارية والاقتصادية في ظل تراجع حالة الميناء وتدهور إمكانياته؟ كيف يتأتى لمستثمر تعزيز أرباحه إذا كانت تكاليف انتظار السفينة الواحدة في ميناء جدة تصل إلى 50 ألف دولار؟ قد لا يعني ذلك التأخير المستثمر بصورة مباشرة، لكنه حتمًا سيؤثر فيه سلبًا بصورة غير مباشرة، فنحن في المملكة نستورد غالبًا الصغيرة والكبيرة من مستلزمات الاستثمار النافع الجاد الذي يشكل قيمة فعلية مضافة إلى الاقتصاد.
السؤال الأزلي: أين نحن من التخطيط لمستقبل الموانئ في المملكة، وهما اثنان رئيسان فقط لا غير؟ لماذا بخلنا عليهما طوال هذه الفترة حتى أحكمت الأزمة حلقاتها حول الميناء الأكبر في المملكة؟ لماذا نعيد تجربة السبعينات الميلادية يوم كانت الباخرة الواحدة تنتظر أسابيع لتفريغ حمولتها؟ وهل فجأة ظهرت الحاجة إلى مزيد من الأرصفة وزيادة في مساحات إرساء السفن وزيادة في عدد الحاويات وزيادة في العمالة و.. و..؟؟
لهذا يفقد المواطن الثقة بكل دعاوى التخطيط، فهي في واد وواقع الأمر في واد آخر كأن بينهما بعد المشرقين، وهو لهذا يشعر بأن معظم مضامين الخطط الخمس لا تتجاوز الورق الصقيل والغلاف الفاخر ولقطات تصوير احتفالات الإعلان عنها والاحتفاء بها.
وكنت أحسب التجربة المرة التي مرت بها موانئنا قبل أكثر من 30 سنة قد ذهبت دون رجعة، لكن يبدو أني في وهم كبير.